محمد بن جرير الطبري

34

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أرى الناس قد أحدثوا شيمة * وفي كل حادثة يؤتمر أي يتشاور ويرتأى فيها . وقوله : فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ يقول : فأخرج من هذه المدينة ، إني لك في إشارتي عليك بالخروج منها من الناصحين . القول في تأويل قوله تعالى : فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ . . . سَواءَ السَّبِيلِ يقول تعالى ذكره : فخرج موسى من مدينة فرعون خائفا من قتله النفس أن يقتل به يَتَرَقَّبُ يقول : ينتظر الطلب أن يدركه فيأخذه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ خائفا من قتله النفس يترقب الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قال : خائفا من قتل النفس ، يترقب أن يأخذه الطلب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر لي أنه خرج على وجهه خائفا يترقب ما يدري أي وجه يسلك ، وهو يقول : رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قال : يترقب مخافة الطلب . وقوله : قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره : قال موسى وهو شاخص عن مدينة فرعون خائفا : رب نجني من هؤلاء القوم الكافرين ، الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بك . وقوله : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ يقول تعالى ذكره : ولما جعل موسى وجهه نحو مدين ، ماضيا إليها ، شاخصا عن مدينة فرعون ، وخارجا عن سلطانه ، قالَ : عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ وعنى بقوله : " تلقاء " : نحو مدين ؛ ويقال : فعل ذلك من تلقاء نفسه ، يعني به : من قبل نفسه ويقال : داره تلقاء دار فلان : إذا كانت محاذيتها ، ولم يصرف اسم مدين لأنها اسم بلدة معروفة ، كذلك تفعل العرب بأسماء البلاد المعروفة ؛ ومنه قول الشاعر : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول الفادر وقوله : عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ يقول : عسى ربي أن يبين لي قصد السبيل إلى مدين ، وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها . وذكر أن الله قيض له إذ قال : رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ملكا سدده الطريق ، وعرفه إياه . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما أخذ موسى في بنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزة ؛ فلما رآه موسى سجد له من الفرق قال : لا تسجد لي ولكن اتبعني ، فاتبعه ، فهداه نحو مدين . وقال موسى وهو متوجه نحو مدين : عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ فانطلق به حتى انتهى به إلى مدين . حدثنا العباس ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : خرج موسى متوجها نحو مدين ، وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه ، فإنه قال عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر لي أنه خرج وهو يقول : رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فهيأ الله الطريق إلى مدين ، فخرج من مصر بلا زاد ولا حذاء ولا ظهر ولا درهم ولا رغيف ، خائفا يترقب ، حتى وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين . حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي ، قال : ثنا الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، قال : خرج موسى من مصر إلى مدين ، وبينها وبينها مسيرة ثمان ، قال : وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة ، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ، وخرج حافيا ، فما وصل إليها حتى وقع خف